عماد الدين خليل
79
المستشرقون والسيرة النبوية
وتخلّقت فعلا . . اللهم إلّا إذا كان هنالك هدف ( مبيّت ) يسوق الباحث إلى موقع كهذا . وقد ناقشنا في مكان آخر مقولات ( وات ) آنفة الذكر ، وبيّنّا أنها لا تقوم على أساس . . ولكننا هنا بإزاء شيء أكبر من التاريخ . . إننا بإزاء حركة عقيدية ونبوّة . . إنّنا بإزاء دين شامل جاء لكي يغير العالم ، ويحلّ محلّ الأديان المحرّفة السابقة ويقود البشريّة إلى الصراط . . وإذا كانت الوقائع التاريخية ( الاعتيادية ) تتحمل عبئا كهذا الذي يجري تحت ستار العلم والنقد ، والأكاديمية . . . إلى آخره ؛ فإن واقعة ( النبوة ) ترفض هذا العبث منذ اللحظة الأولى . . فنحن إزاء دين قادم من السماء ، ونحن قبالة رجل مبعوث من اللّه سبحانه ، ونحن إزاء تقابل بين الغيب والحضور التاريخي . . فإما أن نقبل هذه الحقيقة ونستسلم لها ، فلا يكون حينئذ انشقاق ، ولا عصيان ، ولا مساومة ، من قبل أناس اختاروا بأنفسهم ، في ظروف في غاية القسوة والعناد ، التسليم لكلمة اللّه ، وجعل حياتهم ومستقبلهم ، مجرد أدوات لتنفيذها وصيرورتها في العالم . . أو أن نرفض هذه الحقيقة فلا تكون أبحاثنا - ابتداء - تعاملا مع سيرة نبيّ وحركة جماعة من المنتمين لدين قادم من السماء ، ولكنها افتراض ملفّق يسعى إلى أن يخضع الواقعة للمقولات نفسها التي تعامل بها سائر الوقائع والأحداث . إن ( وات ) يأخذ على أقرانه المستشرقين إلحاحهم في النزعة النقدية ، ويحاول أن يضع ضوابط منهجية تشكم هذه النزعة من أن تتحول إلى عملية هدم اعتباطي يشبع الأهواء الذاتية ، ولا يقوم على أساس موضوعيّ وقد سبق أن مرّت بنا عبارته في هذا الصدد : « لقد أظهر الكتّاب الغربيون ميلهم لتصديق أسوأ الأمور عن محمد ، وكلما ظهر أي تفسير نقدي لواقعة من